عباس حسن

232

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

ولا بد أن يتعلق « 1 » الظرف بناصبه ( أي : بعامله ) وليس من اللازم أن يكون عامله متقدما عليه ؛ كالأمثلة السالفة ، فقد يكون متأخرا عنه ؛ كقولهم : « الحرّ عند الحميّة لا يصطاد ، ولكنه عند الكرم ينقاد ، وعند الشدائد تذهب الأحقاد » . والمشهور أنه لا يتعلق بعامله المباشر إن كان هذا العامل حرفا من حروف المعاني « 2 » .

--> ( 1 ) معنى التعلق موضح في « ب » ص 251 وفيها أن التعلق قد يكون بعامل معنوي ، هو : « الإسناد » . ( 2 ) المراد من حروف المعاني موضح ، في صدر الجزء الأول ( م 5 ) عند الكلام على « الحرف » ونزيد هنا ما يقوله صاحب « المفصل » - في ج 8 ص 7 - من أنها حروف جاءت عوضا عن الجمل ، ومفيدة معناها ، بأوجز لفظ ، فكل حرف منها يفيد فائدتها المعنوية مع الإيجاز والاختصار ؛ فحروف العطف جئ بها عوضا عن : « أعطف » وحروف الاستفهام جئ بها عوضا عن : « أستفهم » . وحروف النفي إنما جاءت عوضا عن : « أجحد » ، أو : « أنفى » ، وحروف الاستثناء جاءت عوضا عن : « أستثنى » ، أو : « لا أقصد » ، وكذلك لام التعريف نابت عن : « أعرّف » ، وحروف الجر جاءت لتنوب عن الأفعال التي بمعناها ؛ فالباء نابت عن : ألصق - مثلا - والكاف نابت عن أشبه ، وكذلك سائر حروف المعاني : كأحرف النداء والتمني . . . وقد عقد صاحب المغنى - في الجزء الثاني من كتابه - فصلا عن شبه الجملة بنوعيه ( الظرف ، والجار مع مجروره ) ؛ عنوانه : « هل يتعلقان بأحرف المعاني » ؟ ملخصه : أن هناك ثلاثة آراء : أولها : المنع مطلقا ، وهو المشهور . ثانيها : الجواز مطلقا . ثالثها : التفصيل ؛ فإن كان حرف المعنى نائبا عن فعل حذف جاز ذلك على طريق النيابة ، لا الأصالة ، وإلا فلا ؛ فنحو « يا لمحمد » يكون الجار والمجرور متعلقين بالحرف : « يا » ؛ لنيابته عن « أدعو » ، أو : « أنادى » . وأما الذين قالوا بالجواز مطلقا فمثلوا له بقول الشاعر : وما سعاد غداة البين إذ رحلوا * إلا أغنّ غضيض الطّرف مكحول فالظرف : « غداة » ظرف للنفي ، أي : انتفى كونها في هذا الوقت إلا كأغن ، ولا يصح تعلقه بما بعد « إلا » لأن معمول المستثنى لا يتقدم عليهما - كما سيجئ في بابه ص 303 م 81 - . ومثل : ما ضربت الغلام للتأديب . فإن قصدت نفى ضرب معلل بالتأديب فالجار والمجرور متعلقا بالفعل ، والمنفى ضرب مخصوص ، وللتأديب تعليل للضرب المنفى . أما إذا قصدت نفى الضرب على كل حال فالجار والمجرور متعلقان بالنفي ، والتعليل له . أي : أن انتفاء الضرب كان لأجل التأديب ، لأنه قد يؤدب بعض الناس بالصفح عنه ، وتركك إياه دون أن تضربه . ومثله في التعلق بحرف النفي عندهم : ما أكرمت المسىء لتأديبه ، وما أهنت المحسن لمكافأته ؛ إذ لو علق هذا بالفعل لفسد المعنى المراد . ومثل هذا قوله تعالى : ( ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) ؛ فالباء متعلقة بالنفي ؛ إذ لو علق الجار والمجرور بكلمة : « مجنون » ولم يتعلقا بالنفي - لأفاد نفى جنون خاص ؛ هو الجنون الذي يكون من نعمة اللّه . وليس في الوجود جنون هو نعمة ، ولا المراد نفى جنون خاص . . . و . . . ثم قال صاحب المغنى تعليقا على هذا الرأي ما نصه : -